الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

323

تفسير روح البيان

وان هربتم من أقطار الأرض كل مهرب يعنى إذا أراد اللّه ابتلاءكم وعقوبتكم فلا تفوتونه حيثما كنتم ولا تسبقونه ولا تقدرون ان تمنعوه من تعذيبكم وبالفارسية ونيستيد عاجز كنندكان خدايرا از إنفاذ امر يا از عذاب كردن مستحق قال أهل اللغة أعجزته اى صيرته عاجزا وأعجزته فيه سبقته قال في تفسير المناسبات لما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن أنه عاجز قال وما أنتم اى أجمعون العرب وغيرهم بمعجزين في الأرض لو أريد محقكم بالكلية ولا في شئ اراده منكم كائنا ما كان وَما لَكُمْ اى عند الاجتماع فكيف عند الانفراد مِنْ دُونِ اللَّهِ المحيط بكل شئ عظمة وكبرا وعزة مِنْ وَلِيٍّ يكون متوليا لشئ من أموركم بالاستقلال يحميكم من المصائب وَلا نَصِيرٍ يدفعها عنكم وهذه الآية الكريمة داعية لكل أحد إلى المبادرة عند وقوع المعصية إلى محاسبة النفس ليعرف من اين أتى فيبادر إلى التوبة عنه لينقذ نفسه من الهلكة وفائدة ذلك وان كان الكل بخلقه وإرادته اظهار الخضوع والتذلل واستشعار الحاجة والافتقار إلى اللّه الواحد القهار ولولا ورود الشريعة لم يوجد سبيل إلى هذه الكمالات البديعة ومثل هذه التنبيهات تستخرج من العبد ما أودع في طبيعته وركز في غريزته كغرس وزرع سيق اليه ماء وشمس لاستخراج ما في طبيعته من المعلومات الإلهية والحكم العلية قال الامام الواحدي رحمه اللّه هذه الآية أرجى آية في كتاب اللّه لان اللّه جعل ذنب المؤمن صنفين صنفا كفر عنهم بالمصائب وصنفاعفا عنه في الدنيا وهو كريم ولا يرجع في الآخرة في عفوه فهذه سنة اللّه مع المؤمنين واما الكافر فلا يعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة قال بعضهم إذا كسب العبد شيأ من الجرائم فهو من أسباب القهر ويكون محجوبا به فإذا كان أهلا للّه تعالى يعاقبه اللّه في الدنيا ببعض المصائب ويخرجه من ذلك الحجاب والا فيمهله في ضلالته والآية مخصوصة بالمجرمين فان ما أصاب غيرهم من الأنبياء وكمل الأولياء والأطفال والمجانين فلأسباب اخر لا بما كسبت أيديهم لأنهم معصومون محفوظون منها التعريض للاجر العظيم بالصبر عليه قال بعضهم شوهد منه عليه السلام كرب عند الموت ليحصل لمن شاهده من أهله ومن غيرهم من المسلمين الثواب لما يلحقهم عليه من المشقة كما قيل بمثل ذلك في حكمة ما يشاهد من حال الأطفال من الكرب الشديد وفي نوادر الأصول للحكيم الترمذي قدس سره البلاء على ثلاثة اضرب منها تعجيل عقوبة للعبد كمثل ما نزل بيوسف عليه السلام من لبثه في السجن بالهم الذي هم به ومن لبثه بعد مضى المدة في السجن بقوله إذ كرنى عند ربك فانسيه الشيطان ذكر ربه ولبث في السجن بضع سنين ومنها امتحانه ليبرز ما في ضميره فيظهر لحلقه درجته اين هو من ربه كمثل ما نزل بأيوب عليه السلام قال تعالى انا وجدناه صابرا نعم العبد انه أواب ومنها كرامته ليزداد عنده قربة وكرامة كمثل ما نزل بيحيى بن زكريا عليهما السلام ولم يعمل خطيئة قط ولم يهم بها فذبح ذبحا واهدى رأسه إلى بغى من بغايا بني إسرائيل وقد سأل النبي عليه السلام العافية من كل ذلك حيث قال واسأل اللّه العافية من كل بلية والعافية ان يكون في كل وجه من هذه الوجوه إذا حل به شئ من ذلك ان لا يكله إلى نفسه ولا يخذله اى يكلاءه ويرعاه في كل من هذه الوجوه هذا